الشيخ عبد الغني النابلسي

234

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

عين ماء صافية ، فركض برجله فخرجت فقيل له : هذا مغتسل يعني ماء بارد تغتسل به وشراب تشرب منه فيشفيك لما ، أي قيل له ذلك لأجل ما كان أيوب عليه السلام عليه من إفراط ، أي كثرة حرارة الألم ، أي الوجع الذي فيه فسكنه ، أي إفراط الحرارة اللّه تعالى ببرد الماء الذي أخرجه له ولهذا ، أي لأجل ما ذكر كان الطب عند علمائه في حصول صحة الأبدان معناه نقصا في المزاج من الخلط الزائد والكيفية الزائدة كالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والزيادة في الخلط الناقص والكيفية الناقصة حتى تعتدل الأخلاط والكيفيات في البدن ، وإن كان الاعتدال الحقيقي لا يمكن حصوله إلا بالنسبة إلى المزاج الكثير الانحراف ، فهو اعتدال نسبي إذ لو كان حقيقيا لما قبل الموت والانحلال ، ولهذا لما تتركب الأجسام في يوم القيامة تركبا معتدلا اعتدالا حقيقا كما زعم بعضهم لا تفسد بعد ذلك أصلا إلى الأبد ، ولا يغلب عليها الحرارة بمجاورة النار ولا البرودة بمجاورة الزمهرير في جهنم بل يبقى الاعتدال فيها ، لأنها نشأة أخرى صحيحة غير نشأة الدنيا كما قال تعالى وأن عليه النشأة الأخرى . فالمقصود من علم الطب في معالجة أجسام المرضى طلب حصول الاعتدال الحقيقي فيها حتى يستقيم نشؤها ولا سبيل ، أي لا طريق إليه ، أي إلى ذلك الاعتدال المطلوب فلا يمكن حصوله إلا أنه ، أي الاعتدال المطلوب يعني الطب يقاربه ، أي يقارب ذلك الاعتدال الحقيقي وهو الاعتدال النسبي كما ذكرنا . * * * وإنّما قلنا ولا سبيل إليه أعني الاعتدال من أجل أنّ الحقائق والشّهود تعطي التّكوين مع الأنفاس على الدّوام ، ولا يكون التّكوين إلّا عن ميل يسمّى في الطبيعة انحرافا أو تعفينا ، وفي حقّ الحقّ إرادة وهي ميل إلى المراد الخاصّ دون غيره . والاعتدال يؤذن بالسّواء في الجميع وهذا ليس بواقع فلهذا منعنا من حكم الاعتدال . وقد ورد في العلم الإلهيّ النّبويّ اتّصاف الحقّ بالرّضا والغضب ، وبالصّفات . والرّضا مزيل للغضب ، والغضب مزيل للرّضا عن المرضيّ عنه والاعتدال أن يتساوى الرّضا والغضب ؛ فما غضب الغاضب على من غضب عليه وهو عنه راض . فقد اتّصف بأحد الحكمين في حقّه وهو ميل . وما رضي الحقّ عمّن رضي عنه وهو غاضب عليه ؛ فقد اتّصف بأحد الحكمين في حقّه وهو ميل . .